ابو البركات

272

الكتاب المعتبر في الحكمة

وهو كيموس ابيض لزج مختلف القوام بين رقيق وثخين ومنعقد وسيال . والطعم بين تفه وحلو ومالح وحامض . وكل حيوان فيه هذه الكيموسات له أعضاء يختص بها فالكبد للدم والمرارة للمرة والطحال للسوداء والمعدة للبلغم وان لم يختص به دون سائر الأعضاء . وقال قوم من الحكماء ان الكيموس الغاذى هو الدم وهذه الاجزاء انما تولدت في طبخه بالعرض فاستعلمتها الطبيعة لمنافع لا لضرورة إليها لو لم تكن . وقال قوم ان هذه الكيموسات الأربع بأسرها مادة الغذاء واحتج الأولون بان الحيوان الذي غذاؤه واحد وليس له أعضاء كثيرة في جوفه للغذاء كالكبد والطحال يوجد فيه الدم فقط دون هذه الاخر واحتج الآخرون على مذهبهم في الكيموسات الأخرى باختلاف جواهر الأعضاء المستمدة من الغذاء في ان منها ما هو أحر وألطف ومنها ما هو أبرد واكثف ومنها ما هو أرطب ومنها ما هو اجف وكل صنف منها يغتذى بشبهه ومناسبه . فالاحر والالطف كالقلب والرئة يغتذى من المرة أو تتوفر المرة في غذائه والابرد الاكثف كالعظام يغتذى من السوداء والبارد الرطب من البلغم والحار الرطب من الدم . والحق هو ان الدم هو المادة الغذائية المقصودة في الطبع والباقية تولدت معه بالعرض فجعلت لها الطبيعة منافع تصرفها إليها لأنها تتولد في أبدان المغتذين عن اختلاف اغذيتهم في طبائعها وامزجتها واستحالاتها وهضومها وذلك لان المأكول من حيث يرد الفم ويمضغ بالأسنان تأخذ الحرارة الغريزية والقوة المغيرة البدنية في التأثير فيه فيسخن بحرارة الفم واللحم الذي في باطنه وبالريق الذي يختلط به في مضغه وتقليبه ثم يرد المعدة فينطبخ مع الماء المشروب كما تنطبخ الأطعمة في القدور فيصير منه جوهرا واحدا متشابها شبيها بطبيخ الشعير تسميه القدماء كيلوسا ثم يجرى من المعدة إلى المعى كالماء الذي يخرج من العين إلى النهر ويذهب فيها مترددا في تلافيفها حتى ينتهى إلى المخرج ترددا بطيئا فينطبخ في ذهابه ولبثه أيضا وتمتص عروق الكبد صفوته وخلاصته أولا فأولا وتوصلها